ابو القاسم عبد الكريم القشيري

28

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الكناية في الهاء من « عَلَيْهِ » تعود إلى الرسول عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى الصديق رضى اللّه عنه ، فإن حملت على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد ، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » . وقال للصدّيق - على التخصيص - فأنزل اللّه سكينته عليه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يتجلّى للناس عامة ويتجلّى لأبى بكر خاصة » « 2 » . وإنما كان حزن الصديق ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إشفاقا عليه . . لا لأجل نفسه . ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلّاه بأن قال : « لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » ، وحزن لا يذهب إلا لمعيّة الحقّ لا يكون إلّا « لحقّ الحق » « 3 » . قوله جل ذكره : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يريد به النبي صلى اللّه عليه وسلم . وتلك الجنود وفود زوائد اليقين على أسراره بتجلّى الكشوفات . « وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى » بإظهار حجج دينه ، وتمهيد سبل حقّه ويقينه ؛ فرايات الحقّ إلى الأبد عالية ، وتمويهات الباطل واهية ، وحزب الحقّ منصورون ، ووفد الباطل مقهورون .

--> ( 1 ) آية 4 سورة الفتح ( 2 ) يتأيد كلام القشيري عن خصوصية أبى بكر بنزول السكينة على قلبه بما يروى عن يوم بدر ، فحينما قال النبي عليه السلام « اللهم ان تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض من بعد ذلك » قال له أبو بكر : دع عنك مناشدتك ربك فإنه واللّه منجز لك ما وعدك وهو قوله تعالى : « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [ مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر ] ( 3 ) لأنه ليس حزنا مرتبطا بحظ من حظوظ النفس ولكنه لحق الحق